ابن كثير

373

البداية والنهاية

المسيب فيها شيئا وقد شذ عنه في أمهات الأولاد يرويه عن عمر بن الخطاب - فقلت : إني أحفظ عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ، : فأخذني فأدخلني على عبد الملك : فسألني ممن أنت ؟ فانتسبت له ، وذكرت له حاجتي وعيالي ، فسألني هل تحفظ القرآن ؟ قلت : نعم والفرائض والسنن ، فسألني عن ذلك كله فأجبته ، فقضى ديني وأمر لي بجائزة ، وقال لي : اطلب العلم فإني أرى لك عينا حافظة وقلبا ذكيا ، قال : فرجعت إلى المدينة أطلب العلم وأتتبعه ، فبلغني أن امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة ، فأتيتها فسألتها عن ذلك ، فقالت : إن بعلي غاب وترك لنا خادما وداجنا ونخيلات ، نشرب من لبنها ، ونأكل من ثمرها ، فبينما أنا بين النائمة واليقظي رأيت كأن ابني الكبير - وكان مشتدا - قد أقبل فأخذ الشفرة فذبح ولد الداجن ، فقال : إنه هذا يضيق علينا اللبن ، ثم نصب القدر وقطعها ووضعها فيه ، ثم أخذ الشفرة فذبح بها أخاه ، وأخوه صغير كما قد جاء ، ثم استيقظت مذعورة ، فدخل ولدي الكبير فقال : أين اللبن ؟ فقلت : يا بني شربه ولد الداجن ، فقال : إنه قد ضيق علينا اللبن ، ثم أخذ الشفرة فذبحه وقطعه في القدر ، فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت ، فأخذت ولدي الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران ، ثم أقبلت إلى المنزل وأنا مشفقة جدا مما رأيت ، فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلا يقول : مالك مغتمة ؟ فقلت : إني رأيت مناما فأنا أحذر منه فقال : يا رؤيا يا رؤيا ، فأقبلت امرأة حسناء جميلة ، فقال : ما أدرت إلى هذه المرأة الصالحة ؟ قالت : ما أردت إلا خيرا ، ثم قال يا أحلام يا أحلام ، فأقبلت امرأة دونها في الحسن والجمال ، فقال : ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة ؟ فقالت : ما أردت إلا خيرا ، ثم قال : يا أضغاث يا أضغاث ، فأقبلت امرأة سوداء شنيعة فقال : ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة ؟ فقالت إنها امرأة صالحة فأحببت أن أعلمها ساعة ، ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام وقال : أين أخي ؟ فقلت : درج إلى بيوت الجيران ، فذهب وراءه فكأنما هدي إليه ، فأقبل به يقبله ، ثم جاء فوضعه وجلسنا جميعا فأكلنا من ذلك الطعام . ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين ( 1 ) في آخر خلافة معاوية ، وكان قصيرا قليل اللحية ، له شعرات طوال خفيف العارضين . قالوا : وقد قرأ القرآن في نحو من ثمان وثمانين ( 2 ) يوما ، وجالس سعيد بن المسيب ثمان سنين ، تمس ركبته ركبته ، وكان يخدم عبيد الله بن عبد الله يستسقي له الماء المالح ، ويدور على مشايخ الحديث ، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث ، ويكتب عنهم كل ما سمع منهم ، حتى صار من أعلم الناس وأعلمهم في زمانه ، وقد احتاج أهل عصره إليه . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري قال : كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 4 / 178 : سنة إحدى وخمسين ، وفي تذكرة الحفاظ 1 / 108 : سنة خمسين وقال ابن الأثير 5 / 260 ولد سنة ثمان وخمسين ، وقيل سنة خمسين . ( 2 ) في تذكرة الحفاظ 1 / 110 : في ثمانين يوما .